حبيب الله الهاشمي الخوئي

106

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ومعناه أنه لو فرض قديمان فلا يخلو أن يكون كلاهما قويّين أو كلاهما ضعيفين أو أحداهما قويّا والاخر ضعيفا والثلاثة بأسرها باطلة . أمّا الأوّل فلأنه إذا كانا قويّين وكلّ منهما في غاية القوّة من غير ضعف وعجز كما هو المفروض والقوّة تقتضي القهر والغلبة على كلّ شيء سواه فما السبب المانع لأن يدفع كلّ واحد منهما صاحبه حتّى ينفرد بالتدبير والرّبوبية والغلبة على غيره ، إذ اقتضاء القهر والغلبة والاستعلا مركوز في كلّ ذي قوّة على قدر قوّته والمفروض أنّ كلَّا منهما في غاية القوّة . وأما فساد الشقّ الثاني فهو ظاهر عند جمهور الناس لما حكموا بالفطرة من أنّ الضعف ينافي الالهيّة ولظهوره لم يذكره عليه السّلام . وأيضا فساده يعلم بفساد الشقّ الثالث وهو قوله » وإن زعمت أنّ أحدهما قوىّ والاخر ضعيف ثبت أنه « أي الاله » واحد كما « نحن » نقول للعجز الظاهر « في المفروض ثانيا ، لأنّ الضعف منشأ العجز ، والعاجز لا يكون إلها بل مخلوقا محتاجا لأنّه محتاج إلى من يعطيه القوّة والكمال والخيريّة . وأما الحجة البرهانية فأشار إليها بقوله » وإن قلت إنهما اثنان « وبيانه أنّه لو فرض موجودان قديمان فامّا أن يتّفقا من كلّ جهة أو يختلفا من كلّ جهة أو يتّفقا بجهة ويختلفا بأخرى والكلّ محال . أمّا بطلان الأوّل فلأنّ الاثنينيّة لا تتحقّق إلَّا بامتياز أحد الاثنين عن صاحبه ولو بوجه من الوجوه . وأمّا بطلان الثاني فلما نبّه عليه بقوله » فلما رأينا الخلق منتظما « وتقريره أنّ العالم كلَّه كشخص واحد كثير الأجزاء والأعضاء مثل الانسان ، فانا نجد أجزاء العالم مع اختلاف طبائعها الخاصة وتباين صفاتها وأفعالها المخصوصة يرتبط بعضها ببعض ويفتقر بعضها إلى بعض ، وكلّ منها يعين بطبعه صاحبه وهكذا نشاهد الأجرام العالية وما ارتكز فيها من الكواكب النيّرة في حركاتها الدّوريّة وأضوائها الواقعة منها نافعة للسّفليات محصّلة لأمزجة المركبات التي يتوقّف عليها صور